محمد بن محمد ابو شهبة
366
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وكذا أنكر القصة القاضي أبو بكر بن العربي ، وطعن فيها من جهة النقل وأنكرها أيضا الإمام أبو منصور الماتريدي حيث قال : ( الصواب أن قوله « تلك الغرانيق العلا » من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة ، حتى يلقوا بين الضعفاء وأرقاء الدين ليرتابوا في صحة الدين ) . وقال الحافظ المفسر ابن كثير في تفسيره : قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق ، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ، ولكنها من طرق كلها مرسلة ، ولم أرها مسندة من وجه صحيح واللّه أعلم « 1 » . اضطراب الرواية ومما يقلل الثقة بالقصة المزعومة اضطراب الروايات اضطرابا فاحشا ، فقائل يقول : كان خارج الصلاة ، ومن قائل : إنه كان في الصلاة ، واخر يقول : بل حدّث نفسه فسها ، ومن قائل : إن الشيطان قالها على لسان النبي ، ومن قائل : أعلمهم الشيطان أن النبي قرأها ، ومن قائل : إن النبي قال هذا وهو ناعس ، ومن قائل : إن الشيطان انتهز سكتة من سكتات النبي في القراءة فقرأها حاكيا صوت النبي . كما رويت « تلك الغرانيق العلا » بألفاظ مختلفة ، وليس من شك في أن الاضطراب مما يذهب الثقة بالرواية ويوهنها كما هو مقرر في علم « أصول الحديث » والحق أبلج ، والباطل لجلج . القصة لم يخرجها أصحاب الكتاب الصحاح والقصة لم يخرجها أحد من أصحاب الصحاح ولا أحد من أصحاب الكتاب المعتمدة كالسنن الأربعة ومسند الإمام أحمد ، والذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ النجم وهو بمكة ، فسجد معه المسلمون والمشركون ، والجن ، والإنس » . وفي رواية ابن مسعود « أول سورة أنزلت فيها سجدة « والنجم » قال :
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير والبغوي ج 6 ص 600 وما بعدها .